245 يوم في إنتظار الرشيد…

 

مائتان وخمسة وأربعون يومًا من الإضراب عن الطعام أتمّتها الدكتورة ليلى سويف، الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية، للمطالبة بالإفراج عن نجلها، الكاتب والناشط السياسي علاء عبد الفتاح، المحتجز على خلفية قضايا رأي منذ سنوات، والذي كان من المفترض أن يُفرج عنه في 29 سبتمبر 2024 بانتهاء مدة حبسه. لكن السلطات المصرية امتنعت عن احتساب قرابة عامين قضاهما رهن الحبس الاحتياطي ضمن مدة العقوبة. ونتيجة لذلك، أُجّل الإفراج عنه إلى يناير 2027، بحسب محاموه.

وفي 28 مايو 2025، وبعد تحقيق استمر 18 شهرًا، قالت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي (UNWGAD) في تقريرها بشأن قضية علاء عبد الفتاح إن احتجازه غير قانوني وينتهك القانون الدولي، ودعت الحكومة المصرية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الوضع دون تأخير. وأكدت أن "العلاج المناسب هو الإفراج الفوري عن علاء عبد الفتاح". ورغم أن مصر غير مُلزمة قانونًا بتنفيذ ما ورد في التقرير، إلا أن نتائجه تُفاقم الضرر الواقع على صورتها الدولية.

وفي وقت لاحق، نُقلت د. ليلى سويف إلى مستشفى "سانت توماس" في لندن، بعد تدهور حالتها الصحية بشكل خطير نتيجة الانخفاض الحاد في مستويات السكر في الدم، الناجم عن إضرابها عن الطعام وخسارتها نحو 42% من وزنها، وسط تخوفات من انهيار وظائفها الحيوية وحدوث ما لا تُحمد عقباه. وقد وصل مستوى الجلوكوز في الدم إلى أقل من 0.6 ملليمول/لتر (11 ملغ/دل)، وهي نسبة منخفضة للغاية بالقدر الذي لم يُمكِّن جهاز القياس من قراءتها، حسب ما نشرته منى سيف، ابنة د. ليلى وشقيقة علاء، على حسابها بموقع فيسبوك.

لماذا فقط لا يجبرنها بناتها على تلقي تغذية قسرية!

الإضراب الذي تخوضه د. ليلى سويف ليس قرارًا عشوائيًا أو نابعًا من يأس شخصي يمكن تجاوزه بالضغط العاطفي أو العائلي، بل هو فعل سياسي واعٍ ومقصود، اختارته كأم ومواطنة وأكاديمية تحتج على الظلم الواقع على ابنها المعتقل تعسفيًا منذ سنوات.

إجبارها على الأكل سيكون إنكارًا لمعنى هذا الفعل ومطالبها، وتعديًا على حقها في السيادة على جسدها، الذي طالما دافعت عنه هي وابنها في وجه سلطة تنتهك هذا الحق يوميًا. بناتها – وهن أيضًا نسويات وناشطات حقوقيات – يفهمن ذلك. يعرفن أن الحب الحقيقي ليس في السيطرة، بل في الدعم والاحترام والاعتراف بحرية أمهن في المقاومة، حتى لو كانت هذه المقاومة تعني خسارتها لحياتها.

في مقاله "الجسد بوصفه ملكًا للدولة: تأملات في منطق التعذيب في مصر"، يستعرض الكاتب أحمد عبد الحليم العلاقة المركّبة بين الجسد والسُلطة، فيرى أن الدولة لا تعاقب الأفراد فقط على أفعالهم، بل لأنها تعتبر الجسد ذاته من ممتلكاتها، لها وحدها حق توجيهه، وإحيائه أو تعذيبه وحتى قتله. وكما يشير، فالتاريخ المصري الحديث قائم على فلسفة "امتلاك الجسد" من قِبل الدولة، منذ محمد علي وحتى الآن، وهي فلسفة تتجاوز القانون لتصبح من صميم منطق الحكم والسيطرة.

في هذا السياق، يظهر جسد سويف المُضرب عن الطعام كجسد متمرّد، يعيد امتلاك نفسه، ويرفض أن يكون خاضعًا لمنطق الدولة الذي يختزل الأجساد إلى أدوات طيعة تُستعمل وتُعاقب وتُقمع.

ومن هنا، يمكن فهم إضراب د. ليلى سويف عن الطعام على أنه رفض مباشر لهذا المنطق، إذ تستعيد عبره سيادتها على جسدها، فتُخرجه من دائرة التحكم السلطوي، وتعيد تعريفه كمساحة شخصية حرة لا يمكن للدولة أو حتى أفراد الأسرة أن يتدخلوا فيها.

استنكار البعض من عدم تدخل بناتها أو من حولها لإقناعها بكسر إضرابها، أو حتى إجبارها على تلقي التغذية القسرية، يُجسّد الميل الاجتماعي إلى إعادة إنتاج السلطة، حتى بدافع الحب أو القلق. لكن هذا الميل نفسه يُناقض جوهر الفعل السياسي الذي تمارسه سويف، والذي يقول إن الجسد ليس ملكًا لأحد، لا الدولة ولا العائلة، بل للفرد وحده.

الإضراب عن الطعام هنا ليس فقط تعبيرًا عن الألم أو الاحتجاج، بل رفضًا جذريًا للشرط السلطوي الذي يريد للجسد أن يكون تابعًا، قابلًا للتشكيل، مستسلمًا، مطواعًا. والإكراه هنا، حتى لو تم بدافع الحنان، يُكرّس نفس منطق السلطة القمعية التي تسلب الأفراد حريتهم في تقرير مصير أجسادهم.

وهكذا، يصبح الجوع اختيارًا سياسيًا ومقاومة واعية أمام آلة تستمر في إعادة تعريف حدود الحياة والموت، والسيطرة على من يحق له أن يتألم أو يعيش أو يموت.


منطق اللا منطق

على الرغم من تدهور الحالة الصحية لدكتورة ليلى سويف جراء الإضراب المطول، لم تُبدِ السلطات المصرية أي استجابة لمطالبها. ويُرجَّح أن هذا التجاهل يأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى تجنّب الضغط الدولي والحقوقي، فقد ترى السلطات أن الاستجابة لمطالبها قد تعني الاعتراف بشرعية الاحتجاجات والمطالب بالإصلاح، الأمر الذي قد يُحفّز آخرين على اتخاذ خطوات مماثلة. كما يُنظر إلى الإفراج عن علاء عبد الفتاح على أنه سابقة قد تُستغل في قضايا أخرى، مما قد يُضعف من سلطة النظام في مواجهة المعارضين.

ورغم من التجاهل المتعمد والموقف الصارم للسلطات، استطاعت الدكتورة ليلى سويف أن تحوّل إضرابها عن الطعام إلى رمز للنضال والصمود في وجه الظلم. إصرارها على الاستمرار في الإضراب، رغم المخاطر الصحية الكبيرة، جذب انتباه الرأي العام المحلي والدولي، وفتح نافذة أمل أمام الكثير من الأسر التي تعاني من ظروف الاعتقال التعسفي.

نجاحها لم يكن فقط في كسر الصمت حول قضية ابنها، بل أيضًا في تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بشكل أوسع. هذا الصمود أسهم في زيادة الضغط على النظام عبر تحركات المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان، والهيئات الدولية التي طالبت بالإفراج الفوري عن علاء عبد الفتاح.

ومع تصاعد الأزمة، ووصول القياسات الحيوية للدكتورة ليلى إلى مستويات منخفضة وخطرة، استمرت حكومتا مصر وبريطانيا – التي يحمل كلاً من علاء ود. ليلى جنسيتها – في تجاهلهما لما يحدث. فرغم الأبعاد الإنسانية والقانونية الواضحة للقضية، لم تُظهر الحكومة المصرية أي بوادر للاستجابة لمطالب الدكتورة ليلى، وفي الوقت نفسه، لم تتحرك الحكومة البريطانية بشكل فعّال لحماية حقوق ابنها، على الرغم من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والضغوط الدولية المتزايدة.

هذا التجاهل المتبادل يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة قضية معتقلي الرأي، مما يزيد من معاناة الأسر ويُعقّد جهود الدفاع عن حقوق الإنسان.

أليس فيهم شخصٌ رشيد؟

قد ربحت د. ليلى هذه المعركة حتى وإن فقدت حياتها – وهو ما لا نتمناه مطلقًا – والسلطة تدرك جيدًا ذلك. فإضرابها عن الطعام لم يكن مجرد احتجاج فردي، بل تحوّل إلى قضية إنسانية وقانونية لا يمكن تجاهلها بسهولة.

إدراك النظام أن الاستجابة لمطالبها قد تفتح الباب للاعتراف بحقوق المعتقلين الآخرين، دفعه إلى تبنّي سياسة التجاهل والمواجهة الصارمة. السلطات تخشى أن يؤدي أي تنازل إلى خلق سابقة قد تُضعف قبضتها، لذلك تستمر في تشديد قبضتها، رغم أن ذلك قد يكلّف حياة أم تُصر على الدفاع عن حق ابنها في الحرية والحياة.

بهذا المعنى، تتحول معركة د. ليلى إلى أكثر من صراع شخصي؛ فهي تحدٍّ مباشر للنظام بأكمله، يعكس عمق الأزمة وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لإيجاد حل. هذه المعركة تتجاوز فردًا واحدًا، فهي معركة من أجل الكرامة والحرية والعدالة، معركة كل من يؤمن بحق الإنسان في العيش بحرية وكرامة.

الأمر الآن لا يتعلق بعدم وجود شخص رشيد، فالرُشَداء كثيرون. ولكن التحدي يكمن في غياب الإرادة السياسية الكافية لدى الجهات المعنية للتعامل مع الأزمة بحكمة وإنسانية. هناك من يُدرك أهمية الحلول السلمية والإنسانية، ومن يعي تأثير استمرار حالة التجاهل، إلا أن عوامل متعددة تجعل التغيير بطيئًا ومعقدًا.

لذلك، تبقى القضية جوهرية، تتعلق بالإنسان وحقه في الحياة والكرامة. فالعدالة لا تُقاس بالمصالح أو بالسياسة، بل تُقاس بمدى احترام الحقوق الأساسية التي لا يجوز التنازل عنها. دعم هذه القضية ليس خيارًا، بل هو واجب أخلاقي وإنساني، لأن الحياة ليست مجرد البقاء، بل العيش بحرية وكرامة.













تعليقات